خفايا الروح

    والداك أحق الناس بحسن صحابتك

    شاطر
    avatar
    شمس المغيب

    عدد المساهمات : 201
    تاريخ التسجيل : 05/01/2010

    والداك أحق الناس بحسن صحابتك

    مُساهمة  شمس المغيب في الإثنين أغسطس 09, 2010 8:48 pm

    "فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا"
    (لو كان هناك شيء أدنى من الأف لنهى عنه) ابن عباس


    والداك أحق الناس بحسن صحابتك
    الوالدان هل يستويان في البر؟
    هل والداك أحق الناس بحسن صحابتك، وكريم معاملتك؟
    نماذج لسلوك بعض البارين بوالديهم، كليهما أو أحدهما
    وبضدها تتميز الأشياء



    من الحقوق التي يضيعها كثير من الأبناء والبنين، ويقصر فيها آخرون، حقوق الوالدين، سيما الأم الرؤوم، والوالدة الحنون على الرغم من أنَّ الله عز وجل قرن برهما والإحسان إليهما بعبادته وحده لا شريك له، فقال: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا*رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا"1 ، وكذلك قرن شكره بشكرهما فقال: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ"2.

    فمن شكر لله ولم يشكر للوالدين، لا يقبل الله شكره.

    ومن فضل الله علينا وعلى الناس أنَّ الله لم يقصر برهما بحياتهما بل جعله عملاً مستمراً للأبناء، وجارياً أجره على الوالدين بعد الوفاة بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث"، وذكر منها: "وابن صالح يدعو له"3، هذا بجانب صلة أرحامهما و ود أصدقائهما.

    وبر الوالدين والإحسان إليهما أمر ونهى، فالأمر مرتبط بالاستطاعة، أما النهي فالواجب الانتهاء عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما امرتكم به فاتوا منه ما استطعتم"4.

    فكما أنه لا يحل لمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: أنا لا أستطيع أن انتهي عن الزنا والخمر ونحوهما، كذلك لا يحل له أن يقول: لا أستطيع أن انتهي عن نهرهما ورفع الصوت عليهما، والتضجر من كلامهما.

    فالوالدان حقهما عظيم، وبرهما ثوابه جزيل، وعقوقهما خطر عظيم و وبال جسيم، وعلامة شقاء و وعيد في الدنيا والآخرة.

    فكما تدين تدان، ورحم الله القائل: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم).

    بداية الصفحة

    والداك أحق الناس بحسن صحابتك

    أحق الخلق بحسن صحابتك هما والداك سيما أمك لما قاسته من حملك و وضعك والعناية بك والشفقة عليك هذا من ناحية، ولضعفها وعجزها من ناحية أخرى.

    فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: "أمك"، قال: ثم من؟، قال: "أمك"، قال: ثم من؟، قال: "أمك"، قال: ثم من؟، قال: "أبوك"5.

    بداية الصفحة

    الوالدان هل يستويان في البر؟

    قولان لأهل العلم:

    1. يستويان، هذا ما ذهب إليه مالك ومن وافقه.

    2. بر الأم ثلاثة أضعاف بر الأب لهذا الحديث.

    وبهذا قال الليث بن سعد ومن وافقه وهو الراجح.

    قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: (قوله: "أمك"، ثلاث مرات، وفي الرابعة: "أبوك"، يدل على صحة قول من قال: إن للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب ربعه، ومعنى ذلك: أن حقهما وإن كان واجباً فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه)6.

    لا شك أن حق الأم أعظم من حق الأب، ولكل حق.

    بداية الصفحة

    هل والداك أحق الناس بحسن صحابتك، وكريم معاملتك؟

    هل عملت أخي المسلم بوصية رسولك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، بأن كان أبواك أحق الناس بحسن صحابتك؟، هل أنت مقدم حقهما على حق زوجك، وأولادك، وصديقك أم العكس؟.

    هل أنت ممن لا يقل لهما أفٍ، ولم ينهرهما، ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة، ويدعو لهما بالرحمة والغفران، ويصل قرابتهما وصداقتهما بعد الممات؟، أم ممن قال الله فيه :"وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ7 وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ"8؟.

    إن كنت من العاقين فابشر بقول رسولك الكريم: "رغم أنف عبد! ثم رغم أنفه! ثم رغم أنفه!"، قيل: من يا رسول الله؟!، قال: "من أدرك والديه عند الكبر أحدَهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة"9.

    هذا الدعاء من الصادق الأمين يحتمل وجهين:

    (أحدهما: صرعه الله في أنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما.

    وثانيهما: أن يكون معناه: أذله الله، لأن من الصق أنفه -الذي هو أشرف أعضاء الوجه- بالتراب الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء فقد انتهى من الذل إلى الغاية، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في الواجبات، وهو الظاهر.

    وتخصيصه عند الكبر بالذكر -وإن كان برهما واجب على كل حال- إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، وليبادر الولد اغتنام فرصة برهما، لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك.

    وقوله: "ثم لم يدخل الجنة"، معناه دخل النار لانحصار منزلتي الناس في الآخرة إلى جنة ونار، كما قال عز وجل: "فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"10)11.

    أيها الناهر لوالديه، المتضجر منهما، المتسخط من خدمتهما، المقصر في حقهما، العاصي لأمرهما -أو أحدهما- المعلن لعقوقهما، أين أنت من هؤلاء الأبناء البارين الأتقياء لوالديهما في الحياة وبعد الممات؟.

    بداية الصفحة

    نماذج لسلوك بعض البارين بوالديهم، كليهما أو أحدهما

    رسولنا الكريم أبر الخلق أجمعين بوالديه -وقد ماتا قبل البعثة-، وبسائر المخلوقين

    يتمثل بر الرسول صلى الله عليه وسلم بوالديه بعد وفاتهما في الآتي:

    1. سأل ربه أن يستغفر لهما فنهي عن ذلك.

    2. سأله أن يزور قبر أمه فاذن له، فخرج لزيارة قبرها ومعه بعض الصحابة، فبكى وأبكى من معه.

    3. بره وصلته بأقاربهم، وفي مقدمتهم عمه العباس.

    4. بره وصلته لاخته من الرضاع، وقبول شفاعتها في قومها بعد غزوة حنين.

    عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

    وبره بأعرابي كان أبوه من أهل ود عمر حيث وصله بالعمامة والحمار في سفرة من الأسفار، وعندما قيل له في ذلك، قال: كان أبوه من أهل ود عمر.

    فإذا كان هذا بره بولد من كان صاحباً لعمر، فكيف كان بره لعمر حياً وميتاً؟.

    التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله

    وهو من المشهورين ببر أمه.

    قال الذهبي في ترجمته في السير12: (وقال هشام بن حسان، حدثتني حفصة بنت سيرين قالت: كانت والدة محمد حجازية، وكان يعجبها الصبغ، وكان محمداً إذا اشترى لها ثوباً اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيد، صبغ لها ثياباً، وما رأيته رافعاً صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها.

    وقال: كذلك يكار عن ابن عون، أنَّ محمداً كان إذا كان عند أمه، لو رآه رجل لا يعرفه، ظن أن به مرضاً من خفض كلامه عندها).

    محمد بن المنكدر رحمه الله

    قال: (بت أغمز13 رجْليْ أمي، وبات عمي يصلي ليلته فما سرني ليلته بليلتي)14.

    أحد الثلاثة الذين انسد عليهم الغار

    فتوسل أحدهم ببره بوالديه كما صح15 بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: "اللهم كان لي ابوان شيخان كبيران، وكنتُ لا أغْبِقُ16 قبلهما أهلاً ولا مالاً.

    فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أُرِحْ17 عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وأن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فلبثت -والقدح في يدي- انتظر استيقاظهما حتى بَرَقَ الفجر، والصبية يتضاغون18 عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إنْ كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه،........"، الحديث.

    الذي كان يحمل أمه على ظهره يطوف بها

    وهو يقول: إني لها بعيرها المذلل، إن أذعرت ركابها لم أذعر، فهل تراني كافيتها يا ابن عمر؟!

    فقال له ابن عمر: لا، ولا بطلقة واحدة من ألم الولادة، ولكن أحسنت والله يجزيك بالقليل كثيراً.

    أيها الأبناء إن والديكم يكتفون منكم ويرضون بما هو دون ذلك بكثير، بل بأقل القليل، فعليكم أن تحاسبوا أنفسكم، وتراجعوا مواقفكم من بركم بوالديكم قبل فوات الأوان، واجتماع الحسرات والسكرات.

    فإن كان أبواك حيين أو أحدهما فسارع بالتوبة وعوِّض ما فات، وإن ماتا أو أحدهما فاخلص في الدعاء لهما، وأكثر من التصدق عنهما، وصل أقاربهما وأصدقاءهما.

    وإياك إياك أن تتمادى على ما أنت عليه من العقوق، والعصيان، والتضجر، والتسخط منهما مهما كانت حالهما وإن ساءت أخلاقهما، وكثرت شكواهما، وإلاَّ فأنت موعود بالعقوق في الدنيا، وبالنار في الأخرى، فاختر لنفسك، فالجزاء من جنس العمل، واحذر أن تكون من هذا الصنف.

    بداية الصفحة

    وبضدها تتميز الأشياء

    احذروا أيها الأبناء والبنات من سلوك أولئك العاقين التعساء، الذين نغَّصُوا حياة والديهم، وذهبوا بسعادتهم وعطفهم فبثوا شكواهم للعالمين، ونشروا ما نشروه شعراً ونثراً كارهين، وما خفي كان أعظم وأدهى، من ذلك:

    *

    قال أمية بن أبي الصلت معاتباً ابنه:

    غذوتك مولوداً وغلتـــك يافعــاً تُعَلَّ بما أسعى عليك وتنهــل

    إذا ليلة جاءتك بالشكو لم أكــن بشواك إلاَّ ساهــــراً اتملمــل

    كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقتَ به دوني فعيني تَهْمَلَ

    تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجـل

    فلما بلغت السنَّ والغـاية التــــي إليها مدى ما كنت قبل أوملُ

    جعلت جزائـي غلظـة وفظاظـة كأنك أنت المنعـم المتفضــلُ

    فليتــك إذ لــم ترع حـق أبوتــي كما يفعل الجا المجاور تفعلُ

    *

    وقال آخر:

    يود الردى لي من سفاهـة رأيه ولو مـت بانت للعــدو مقاتلـــــه

    إذا ما رآني مقبـلاً غض طرفـه كأن شعاع الشمس دوني يقابلـه

    *

    ومثله قول الآخر:

    إذا أبصرتنـي أعرضـت عنــي كــأن الشمــس من قبلـــــي تدور

    *

    دخل إلى جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي أعرابي، فسأله جعفر عن بنيه فقال:

    إن بنيَّ خيرهــــم كالكلـــــــــب أبرَّهـــــــــم أولعهـــــم بسبـــــي

    لم يغـن عنهم أدبــي وضربــي فليتنـــــي كنـت عقيــم الصلــــب

    اللهم أرحم آباءنا وأمهاتنا، وجداتنا وأجدادنا، واهد أبناءنا وبناتنا، وأصلح أزواجنا وزوجاتنا، واعنا على البر والتقوى، وجنبنا العقوق والتضجر والشكوى يا بر يا رحيم، وصلِ الله وسلم وبارك على نبيك ورسولك وآل بيته وصحابته والتابعين، والحمد لله رب العالمين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 20, 2017 10:57 pm